← Back to writing
Al-Sabah · 2009

Common Myths About Knowledge and Learning

الأفكار الشائعة والخاطئة عن المعرفة والتعلم

Challenges the widespread misconceptions about how knowledge and learning actually work.

نشر بجريدة الصباح يوم الأحد 20 ديسمبر 2009

الأفكار الشائعة والخاطئة عن المعرفة والتعلم

كثيرا ما يشبه الطلبة المؤسسات الجامعية بمخازن يقصدها المرء لينهل من المعرفة. فتراهم طيلة السنة الأكاديمية ينكبون على تكديس المعلومات سواء عن طريق النسخ أو النقل أو الاستماع للمحاضرات وتدوين الملاحظات، حتى إذا ما اقتربت فترة الامتحانات حاولوا حشو المعلومات في ذاكرتهم حشوا. وبالإضافة إلى أن تكديس المعلومات وابتلاعها عادة تعليمية سيئة فإنه يبدو أن المشكل الحقيقي يتجاوز هذه العادة ويكمن في تصورات الطلبة للمعرفة.

تشير كل الدراسات الحديثة أن المعارف لا تنقل ولكنها تبنى، وهذا ما يسبب الاختلاف ولو البسيط بين فهم طالب وآخر. فتجد عددا من الطلبة يستمعون لنفس المحاضر أو يقرؤون من نفس النص ولكن يختلف فهمهم لنفس المحاضرة ونفس النص اختلافا يكون أحيانا كبيرا وذلك تبعا لتجاربهم ومعارفهم السابقة وشخصياتهم المختلفة. وتتفق كل النظريات الحديثة على أن المعرفة لا توجد في مكان ما خارج ذاكرة الإنسان وما على المتعلم إلا أن ينبش وينقب ويفتش عنها حتى يلقاها. وفي رأي الكثير من الطلبة أنه من المستحسن أو الأوفر جهدا والأكثر نتيجة أن يجد من يعطيه هذه المعلومات “المهمة” جاهزة للاستعمال وقت الامتحان. وهذا ما قد يفسر اتكال الطالب على الأستاذ الجيد الذي يعرف كيف يوصل المعلومة وبالتالي المعرفة، وكأن الأستاذ يفتح دماغ الطالب “ليصب” فيه أمهات المعارف، ويغيب عن الطالب أن المعارف لا تعطى بل تبنى. وهذا الاعتقاد الخاطئ المتمثل في أن عملية التعلم مسؤولية الغير لا الطالب يشجع أغلب الطلبة على التقاعس إذ يتكلون على الأستاذ اتكالا كاملا في إنجاز التعلم وكأن الطالب مسلوب الإرادة في كل هذه العملية التعليمية لا حول له ولا قوة، وأن التعلم هو نتيجة لاجتهاد الأستاذ وتميزه أو لتقاعسه وتقصيره. وما إن تفشل عملية التعلم حتى يحاول الطالب أن يجد حلا إما عن طريق الدروس الخصوصية أو عن طريق العمل الجماعي في مجموعات أو عن طريق الحفظ أو عن طريق الغش في الامتحانات أو حتى إلى الاتجاه للسحر والجان والشعوذة. ومن المؤكد أن التعميم مستحيل في هذا المجال، إذ كما يوجد الطالب الذي يعتقد خاطئا أن عملية المعرفة مسؤولية يتحملها غيره كذلك يوجد الطالب الذي يبني المعرفة ويسعى إليها ويستنبط كل الطرق الممكنة لتنمية زاده المعرفي ويعي أنه المسؤول الأول والأخير عن جودة بنائه المعرفي ومتانته، ويطور من قدرته على التعلم من يوم إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى والذي لا تثني الصعاب عزيمته بل تقويها.  يتمثل المشكل الأساسي هنا أن نموذج الطالب غير المسؤول عن معرفته أكثر بكثير من نموذج الطالب الساعي وراء المعارف سواء مع وجود الامتحانات أو من دونها. وإن للطالب الذي يعتقد أن تعلمه مسؤولية غيره لا مسؤوليته سلوكا مميزا. فهو عموما لا يطالع إلا في ما ندر، ولا يتصفح جريدة يومية، وإن فعل فغالبا ما يقرأ ركن الرياضة. وكثيرا ما يمضي الوقت في المقاهي يلعب الورق وهو لا يشاهد البرامج الثقافية ولا يشاهد الأفلام الأجنبية إلا تلك التي ترفق بترجمة إلى العربية، والذي يعجز عن مناقشة موضوع لا يعنيه مباشرة ولا يجد ما يقول في أي موضوع خارج الدائرة الضيقة لاهتماماته ... وتطول القائمة من الصفات السلوكية التي قد لا تجتمع في نفس الشخص ولكنها مجتمعة في شريحة كاملة من الطلبة.

ومن الأفكار الشائعة والخاطئة عن المعرفة والتعلم أن التعلم يقوم على اكتساب سلسلة من المعارف في خط متناسق وأفقي يكون فيه التدرج أساس التعلم وضمانته. ويخفى على البعض أن ما نتعلمه متشابك ومترابط، وأن كل جديد نتعلمه التعلم الصحيح يؤثر في النسيج المعرفي الذي قد بنيناه من قبل بإرادتنا وفي بعض الأحيان بغير إرادتنا، وهذا ما يسوقنا إلى الفكرة الخاطئة الثالثة القائلة  بأن التعلم لا يكون إلا إراديا وواعيا وقصديّا خاصة إذا ما كان المتعلم قد بلغ سن الرشد. وهذا ما يفسر إلى حد كبير الاعتقاد الراسخ عند العديدين من أن الطالب الجيد هو من ينكب على أي درس بالعمل والمثابرة حتى “يتعلمه” مهملين النسيج المعرفي والذاتي للطالب الذي لا يشبه قاموسا ولكنه هو شبكة معرفية ينسج خيوطها من النظريات والمعلومات العلمية وكذلك من تجاربه وميولاته ومشاعره ورغباته. لقد أثبتت كل النظريات الحديثة والتجارب المخبرية أن النسيج المعرفي للشخص الواحد ليس موسوعة أو قاعدة بيانات يملأ خاناتها بالمعلومات والمعارف كلما احتاج إلى ذلك ويستدعي تلك المعارف كلما احتاج إليها.  إن المعارف ليست أدراجا بل شبكات تتغير وتتأثر بكل ما نعيشه من تجارب تخص تلك المعارف أو لا تخصها.

أما الخطأ الرابع فيتمثل في الاعتقاد الشائع أن الأستاذ، بالإضافة إلى أنه مسؤول عن العملية التعليمية، فهو أيضا مسؤول عن النتيجة فالأستاذ هو الذي يقرر النجاح أو الرسوب وهو الذي يسند الأعداد وهو الذي يقوم بعملية فرز الطلبة الناجحين عن الراسبين. ومن الشائع جدا في أوساط الطلبة أن يقول أحدهم إن الأستاذ فلان أعطاه العدد كذا وأن الأستاذ علان لم يعجبه ما كتب رغم أنه كرر في ورقة الامتحان ما قاله الأستاذ في القسم بدون زيادة أو نقصان. ومن النادر أن تسمع الطلبة يقولون أنهم اجتهدوا وتحصلوا على نتيجة ما أو أنهم لم يجتهدوا ويستحقون فشلهم.

ولنا في التشبيهات التي نستعملها في حياتنا اليومية أكثر من مثال وإن اختلفت هذه التشبيهات من مكان إلى آخر ومن جيل إلى آخر. فكثيرا ما نصف أحدهم ب”مليان” أو “معبي” مشيرين إلى سعة معارفه ومعلوماته، وفي كلا اللفظين إشارة لاحتواء المعارف أكثر من نسجها وإشارة إلى أن المعارف موجودة في مكان ما لكن المهم هو خارج دائرة الفرد وما على الفرد إلا أن “يستجلبها” ويضعها في دائرة معارفه. كما أن الطلبة كثيرا ما ينعتون المجتهد ب”المحراث” ولعل ذلك لدأبه على المضي قدما في نسق خطي  ....

من الواضح أنه يتحتم علينا ونحن نراهن على مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة أن نسبر أغوار تصوراتنا للمعرفة والتعلم حتى نتأكد من أنها لا تعوقنا من حيث لا ندري عن الفهم الصحيح للمعرفة والتعلم وحتى نزيد من فرصنا في النجاح لتحقيق مجتمع المعرفة.

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →