← Back to writing
Al-Sabah · 2011

The People Want to Bring Down the LMD System

الشعب يريد إسقاط نظام إمد

On the years-long rejection of the LMD (Bologna) reform across faculty, students, administrators, and families.

جريدة الصباح 03 أوت 2011 ص. 7

لقد تعالت الأصوات الرافضة والمنتقدة لنظام إمد منذ الوهلة الأولى التي أدرج فيها سنة 2005 في بعض مؤسسات التعليم العالي وكثرت الملاحظات والشكاوي من الأساتذة والطلبة والإداريين وحتى الأولياء والمشغلين خاصة بعد أن عُمّم هذا النظام على جل المؤسسات وأطره قانون 25 فيفري 2008. والآن، بعد الثورة المباركة يشعر العديد من العاملين والمنتفعين من التعليم العالي أن نظام إمد إصلاح جامعي فاشل وأنه من الحرّي بنا أن نرفع هذه المظلمة عنا ونسقط هذا النظام مثلما أسقطنا الديكتاتور.

يتحتم علينا بادئ ذي بدء أن نفرق بين نظام إمد كمنظومة تعليم عال متبعة في العديد من بلدان العالم والطريقة “التونسية” في تطبيق نظام إمد، إذ يبدو أن أغلب النقائص التي نلاحظها في هذا النظام متأتية من الطريقة التي طبق بها أكثر بكثير من النظام نفسه ويجدر بنا أن نشير إلى الخلفيات التاريخية والثقافية التي أنتجت هذا النظام والتي يبدو أنه وقع تجاهلها من طرف المستوردين له في تونس مما أدى إلى هذا التفاوت الهائل بين غايات وأهداف النظام والواقع المعاش في الكثير من مؤسساتنا الجامعية.

بدأت حكاية اعتماد فرنسا وأوروبا لهذا النظام خلال اجتماع نظم في جامعة السربون سنة 1989 حضره العديد من الخبراء والأكاديميين وبعض من وزراء التعليم العالي الأوروبيين تناقشوا خلاله عن المعوقات التي قد تواجه المواطن الأوروبي إذا ما أراد التنقل للدراسة من جامعته إلى جامعة أخرى فتبين لهم أن أنظمة التعليم العالي الأوروبية بحكم خصوصياتها التاريخية تختلف الواحدة عن الأخرى بدرجة أنه يستحيل على الطالب الأوروبي أن ينتقل بينها من دون أن ترفع الحواجز عنها وتسهل عملية التنقل هذه وكانت أكبر الحواجز هي الفارق الكبير في المدة الزمنية الضرورية لإنهاء شهادة جامعية ما والتحسين من مقروئية الشهادات الجامعية. وقد أنتج هذا الاجتماع توقيع برتوكول تفاهم أولي اصطلح على تسميته بمسار السربون أفرز مسار بولونيا الشهير الذي وقعه 27 وزير تعليم عال أوروبي سنة 1991 وعدة مسارات أخرى نجحت إلى حد بعيد في نزع الحواجز أمام الأوروبي ليدرس في أي مكان يريد في أوروبا. هل يعني ذلك أن أنظمة التعليم العالي الأوروبية متشابهة مائة بالمائة؟ لا والدليل على ذلك أن بعض الجامعات توفر الأستاذية أو نظام الأربع سنوات إلى جانب الإجازة كما أن بريطانيا، مثلا، مصرة على أن تدوم الماجستير سنة واحدة إلى غير ذلك من الاختلافات بين نظام وآخر التي لا تعيق تنقل الطلبة والأساتذة.

ولعل هذه البسطة التاريخية لتؤكد أن نظام إمد ليس عالميا ولن يكون كذلك بل نظام استنبط في وضعية ثقافية وتاريخية معينة ليستجيب لحاجيات معينة ولعل هذا ما يفسر امتعاض العديد من الأساتذة من الخطاب التسويقي لنظام إمد في تونس الذي فشل مسوقوه في تحفيز جل الأساتذة ليتبنوا شعارات هذا الإصلاح الجامعي “العظيم” الذي يتعهد بضمان حراك الطلبة والأساتذة ومقروئية الشهادات وقبولها في أوروبا خاصة وفي العالم والتحسين من تشغيلية الخريجين. يشعر العديد من العاملين والمنتفعين من التعليم العالي أن نظام “إمد” نظام مسقط أو لعله مفروض علينا وأنه مسئول بدرجة أولى عن بطالة خريجي التعليم العالي لأن قرار توجيه ثلثي الطلبة إلى إجازات تطبيقية قرار متسلط ومتسرع خاصة أننا لم نتمكن من توفير الظروف الضرورية لإنجاحه: من تمكين للأساتذة وتوفير المعدات وفهم عميق وصحيح لمفهومي التطبيق والتشغيلية.

تسود هذين المفوهين والعديد من المفاهيم المتصلة الأخرى بنظام أمد ضبابية تعيق حسن فهمهم وتجعل ترجمتهم إلى الواقع بعيدة كل البعد عن الأهداف الأولية التي وضعت لهم. أما فيما يخص تسمية الإجازات ب”التطبيقية” فتجدر بنا الإشارة أنها اجتهاد فرنسي يهدف إلى رفد الدروس النظرية (cours magistral )  التي تفخر فرنسا بتنظيمها بدروس أخرى تمكن الطالب من اكتساب معارف وحذق مهارات تضمن له فرصا أكبر لتشغيله بعد التخرج وتجعله منتجا ومفيدا لمشغله منذ الوهلة الأولى لتعيينه. فما راعنا إلا وقد ترجمت هذه الفكرة في خضم حمى التسرع والاستفراد بأخذ القرار والتأكيد على من يحق له أخذ القرار السياسي ومن يتوجب عليه تطبيقه إلى تخفيف المحتوى الأكاديمي للبرامج التقليدية إلى برامج أقل عمقا بما أنها موجهة لطلبة لن يتمكنوا من دراسة الدكتوراه. فكانت النتيجة أنه عوض أن يتعلم الطالب في الإجازات التطبيقية أكثر إذ يجمع بين المعارف والمهارات فإذ به يدرس بطريقة سطحية فلا يتمكن من اكتساب جوهرها بل يكتفي بالقليل منها. ولعل التفسير الوحيد لهذا الانزلاق الخطير هو عدم فهمنا لمعاني “التطبيقية” الأصلية وعدم استعدادنا كجامعيين للاستماع لمتطلبات المشغلين وتوقعاتهم من خريج الجامعة. من المؤسف أننا لم ننجح بعد، وباستثناء حالات نادرة، في استنباط لغة موحدة يتكلم بها الجامعيون والمشغلون مع بعضهم البعض. لقد كان من الممكن أن نقلل من تكلفة هذا الانزلاق الخطير إذا ما توخينا مبدأ حث الأقلية على المبادرة مع درس عميق للتجربة واحتساب دقيق لتكلفتها ومساوئها قبل أن نجبر كل المؤسسات باستثناء الطب والهندسة على اعتماد نظام إمد ليس لسبب إلا لأننا نظن مخطئين أن كل ما يأتينا من فرنسا جيد وعالمي وثوري، صامين آذاننا على كل الأصوات المنددة في فرنسا ذاتها بفرض نظام إمد، متجاهلين كل الأصوات الناقدة لنظام إمد في تونس ناعتين إياها بالصائدين في الماء العكر والمعارضين للنظام إلى غير ذلك من النعوت التي ألفناها وسئمناها.

من المؤسف كل الأسف أن نقابة التعليم العالي التي تمثل أكبر مؤسسة كان يمكن لها أن تمارس نوعا من الضغط على الوزارة لتعادل من تفردها في أخذ القرارات قد بادرت بالموافقة على نظام إمد وتبنت المشروع “الحداثي” للوزارة من دون ترو واكتفت بالمناداة بتشريكها في أخذ القرار وأصرت على حقها في أن تجلس مع الوزارة على طاولة التشاور معا وهذا أمر لم تقبله النخبة السياسية على نفسها قط لا في التعليم العالي ولا في أي قطاع آخر. وانتهت أزمة إتباع نظام إمد كمشكل مصيري للإصلاح الجامعي في الدرج الأزلي لحق المشاركة في أخذ القرار السياسي. لماذا يا ترى تسرع النقابيون في قبول إصلاح إمد وبلعوا طعم “الانصهار في مسار بولونيا”؟

من يحق له الآن أن يقرر و”باسم الشعب” نظام التعليم العالي الذي نريد والذي نحتاجه في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الجامعة التونسية؟ متى سنستمع إلى كل العاملين والمنتفعين من التعليم العالي من دون أن نضع لهم أوصياء  يصرون على أنهم ولوحدهم “العارفين” بكيفية التطوير من مردودية الجامعة؟ هل نستطيع أن نحلم بأن ترتقي جامعاتنا فتصنف بين المائة الجامعة الأولى في العالم أم أننا سنواجه الوضع المحتوم بأن الجامعة العمومية لعامة الشعب وللمقتدرين جامعاتهم إما في تونس أو في خارجها؟ ما أحوجنا إلى ثورة تشمل العقليات وتقلل من تبعيتنا للآخر.

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →