من نافل القول أن نؤكد أن التونسيين كانوا يعيشون في حالة رقابة وحجب دائمتين سببها الإرهاب البوليسي الممنهج والمتفنن في التضييق على الحريات بشتى الطرق والأشكال ولكن سببتها أيضا رقابة ذاتية رهيبة جعلت من عبارات كثيرة شائعة مثل “مشي العجلة” و”دبر راسك” و”طفي الضو” ديدن جل التونسيين حتى صار البعض يعتقدون أن لكل تونسي بوليس في داخله يلازمه كظله ويكمم فمه عن قول كلمة الحق ولا يفتحه إلا للشكر والثناء على صاحب النعمة والفضل على البلاد وإلا فالصمت ملاذه الأول والأخير. كان جل التونسيين وبكل بساطة قد وقعوا عقدا من الصمت التزموا به تقضي بنوده أن يكون الحديث عن السياسة حكرا على نخبة من السياسيين وألا يتحدثوا في أي شيء قد يسبب لهم الإزعاج من بعيد أو قريب ولذلك نرى ونسمع شهادات تندد الآن بعد سقوط النظام بتجاوزات خطيرة لاحظوها في الإبان لكنهم لم يشيروا إليها علنا خوفا من ردة فعل سلبية. والآن نسمع ونشاهد مظاهر عديدة بعضها معلن وأغلبها خفي عن الفساد السياسي والاقتصادي ولكن كذلك الثقافي والاجتماعي وحتى الأكاديمي. ما الذي فعله بنا عقد الصمت؟
والآن وقد كسرت نسائم الحرية قيود الصمت وأصبح الجميع يتحدثون وبكل حرية غير مسبقة عن الطاغية المخلوع وعن تجاوزاته وسرقاته هو وزوجته وكل أفراد العائلة هل مزقنا وللأبد عقود الصمت؟ هل أصبحنا نندد بالخطأ عند وقوعه من غير تشهير ولا حسابات ضيقة وآنية؟ هل تعلمنا كيف ننقد ظاهرة ما من غير أن نسقط في حسابات ضيقة من الموالاة أو المعاداة لزيد أو لعمر؟ هل طورنا من أساليب المشاركة وقطعنا مع الصمت المفروض علينا والذي اخترناه أيضا خوفا من المشاكل والمضايقات؟
يبدو أنه لا يزال علينا تخطي الكثير من العقبات حتى نتدرب على نقد الذات ونقد الآخرين من دون أن نتعرض لحسابات ضيقة لا ترى أبعد من أنفها. لقد عشنا عقودا بعد الاستقلال أين يحتسب صمتنا علامة على القبول والرضاء، الرضاء عن كل ما فعله بورقيبة كمجاهد أكبر وباني الدولة الحديثة والتغاضي عن كل النقائص وكذلك سكتنا طوعا وكراهية عن كل النقائص في عهد بن علي “وفاءا لرجل الوفاء”. هل حان الوقت أن يعتبر مصلحة الوطن أعلى من كل المصالح وأن نكف على تقديم سكوتنا كعلامة الرضا وكنتيجة حتمية لمبايعتنا زيدا أو عمرا؟
أقول هذا وأذكر ما جرى في بعض مؤسسات التعليم العالي في مستهل السنة الأكاديمية الحالية من مضايقات قام بها العديد من المديرين والعمداء والكتاب العامين على الأساتذة وخاصة منهم الملحقين والمتعاقدين والعرضيين ليوقعوا قائمات مناشدة للرئيس المخلوع للترشح سنة 2014 في خضم حمى المزايدات على المناشدة. وبالفعل خرجت من كل المؤسسات وبدون استثناء قوائم المناشدة مثلما يخرج منها كل سنة ومن دون استثناء تبرعات للصندوق السيئ الذكر 2626 وإن اختلف الأمر بعض الشيء. ما الذي دفع بهؤلاء المسئولين للحث أو للسماح بزبانيتهم بالتضييق على الأساتذة لأخذ توقيعاتهم قسرا؟ لقد كان من بين هؤلاء من يساند النظام جهرا ولكنه كان بينهم من يعارض النظام جهرا ومع ذلك اختار الانضمام للعبة المناشدة خوفا من أن يحسب صمته هو ومؤسسته معارضة “للأغلبية” ويكون بذلك عرضة لغضب النظام. لماذا تحول، الآن، هؤلاء فجأة إلى قضاة في محاكم التفتيش عمن تعامل مع النظام البائد ونسوا أو تناسوا أنهم كذلك وقعوا عقود الصمت وأنهم انظموا إلى اللعبة كلما اقتضى الأمر ذلك؟.
أقول هذا وألاحظ أن العديد من القرارات الخاطئة من طرف أعضاء الحكومة المؤقتة تمر يلفها صمت الأغلبية ولا تناقش إلا في إطار من “المعارضة” التقليدية. ويحتار البعض بين الصمت عن الإشارة للخطأ سواء بتعلة أنها حكومة مؤقتة يجب أن نساندها بصمتنا حتى تقف على قدميها أو بتعلة أنه يجب أن نصمت عن أخطاء إخواننا المدحورين الذين يأخذون فرصتهم لأول مرة “ليحكموا” وأنه من باب “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” يجب أن نغض النظر عن كل التجاوزات الصغيرة وحتى الكبيرة.
لا شيء يزيد من الفساد مثل السكوت عن التجاوزات مهما كان حجمها. لقد طورت مختلف الأنظمة المتقدّمة في العالم أخلاقيات ورسخت ممارسات تشجع المواطن على الإبلاغ عن التجاوزات في كل الميادين السياسية والاقتصادية والمالية والبيئية وحركة المرور والأمن إلخ. كما طورت هذه الأنظمة أجهزة ومكونات المجتمع المدني ترصد التجاوزات في شتى الميادين وتخبر عنها وتتصدى لها بكل ما أتيت من قوة. تبدو المشكلة في الوضع الحالي أننا لم نطور بعد الأخلاقيات والممارسات التي تشجع المواطن على الإبلاغ عن الفساد ومحاربته. تصنف كل حركة للإبلاغ عن الفساد على حسب منطق الحساسيات الشخصية وتكال التهم تباعا للطرف المتصدي وينقلب الأمر إلى مشكلة شخصية. وبذلك تضيع المصلحة العامة ونكتفي بالانتصار على “المناوئين” الذين “يصطادون في الماء العكر”.
يبدو أننا نواجه عادات ثقافية ضاربة في القدم تفرض علينا عدم الإشارة إلى أخطاء من نواليهم لأننا إن فعلنا فإننا نخرق صفو الموالاة. كما يبدو أننا لا نقبل المساءلة ونعتبرها تشكيكا في النوايا والأهداف.كثيرا ما تأخذ المساءلة على أنها تشكيك في نوايا من يُساءل أو في قدراتهم أو في إنجازاتهم ويستنكر المسائلين كل الاستنكار “تطاول” المسائلون وعدم حفظهم للمقامات ونذكر على سبيل المثال عدم نقاش ميزانية الرئاسة في مداولات مجلس النواب ومجلس المستشارين إذ كيف يعقل أن نساءل رئيس دولة عن الميزانية؟
أما عن أمثلة عقاب المتجاوزين فيبدو أننا قد طورنا عادات تحثنا على مسامحة المخطئين قدر المستطاع واعتبار التشدد في عقاب المتجاوزين مغالاة لا مبرر لها وأن العفو عند المقدرة من شيم الكرام. وتزخر الإدارة التونسية بعديد الأمثلة عن عدم عقاب المتجاوزين الذين يمكن أن “تغفر” لهم زلاتهم. وقد أصابت هذه العادة حتى الامتحانات في المعاهد والكليات. فكم من طالب يضبط وهو يغش أو يحاول الغش في الامتحانات وترى الأستاذ الذي يضبطه لا يطبق القانون بل يسحب ورقته ويعطيه ورقة بيضاء للبدء في الإجابة من جديد؟.
إذا فهل ألغينا عقود الصمت؟ أم أننا نكتفي بالحديث عن تجاوزات النظام السابق الآن وقد أسقطته الثورة المباركة؟ ما الذي يجعلنا نسكت عن تجاوزات الحاضر؟ يبدو أننا استبدلنا عقد الصمت بعقود من الصمت.