نشر بحريدة الصباح بتاريخ 03 ماي 2015
اندهش العديد من الملاحظين من غياب منظمة الأعراف يوم الخميس 23 أفريل 2015 موعد إطلاق الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية وغاب الأعراف بالرغم عن الدور البارز الذي لعبته منظمتهم كراع رسمي للحوار الوطني إلى جانب الاتحاد والمنظمة التونسية لحقوق الإنسان وعمادة المحامين. ولعل ما دعا للاستغراب أكثر أنه لم يتطرق أحد للحديث عن اختلاف قد شب بين المنظمات الراعية للحوار في مسيرة التوافق السياسي بل بالعكس أشاد الجميع بالدور الوطني والفعال الذي لعبته كل هذه المنظمات وبالنجاح الباهر الذي حققته. لا أريد أن أكتفي بترديد الإشاعات والأقاويل التي حيكت مبررة هذا الغياب ولن أدافع عن منظمة الأعراف ولكنني سأسوق الملاحظات التالية من زاوية علمية بحتة.
تقول أحد التبريرات الأكثر تداولا أن الإتحاد العام التونسي للشغل أقصى منظمة الأعراف لأنه لا يريد أن يكون للقطاع الخاص في إصلاح المنظومة التربوية للجمهورية الثانية نصيب. ويصعب دحض مثل هذه التبريرات لأن أدبيات المنظمة الشغيلة تحيط قطاع التعليم الخاص بصمت مطبق، مصرة بذلك على إنكار وجوده في خضم ارتفاع مطرد لأصوات تتهم هذا القطاع همسا وجهرا بالمساهمة في تدهور مردودية المدرسة العمومية وتنادي تارة بمزيد التحكم فيه ومراقبته أو بالأحرى “خنقه” وأخرى بإغلاق مؤسسات التعليم الخاصة بمختلف أنواعها جملة وتفصيلا. إنه لمن السذاجة بمكان أن يتوقع أي كان أن إغلاق مؤسسات التعليم الخاصة ضامن لرجوع أبناء المقتدرين للتعلم في المدرسة العمومية. من البديهي أنه ليس من أمن تونس الشامل أن يتعلم أبناء المقتدرين في مؤسسات خاصة بينما تكون المدرسة العمومية قدر الفقراء. لا يمكننا طبعا أن نتجاهل الدور المحوري الذي تلعبه المدرسة العمومية في التماسك الاجتماعي ولكننا لا يمكن أن نجبر الأولياء والتلاميذ على ارتياد المدرسة العمومية إذا ما أصبحت هذه الأخيرة مقصرة في أبسط حقوقهم وهو حقهم لا في التعليم ولكن في التعليم الجيد. لا يمكن أن نجبر الأولياء والتلاميذ على ارتياد المدرسة العمومية وهي مؤسسة تؤكد على التعليم لا التعلم وتخدم ثقافة الامتحانات لا جودة مخرجات التعلم وتهدر المال العام. إذا ما كانت المنظمة الشغيلة تخاف على المدرسة العمومية أن تصبح مدرسة الفقراء مما قد يضر بالتماسك الاجتماعي فيجب أن تستنبط رؤية جديدة مخالفة للقديمة التي أدت بنا إلى هذا الوضع أساسا. يجب أن نكف عن اعتبار المواطن التونسي قاصرا لا يعرف تقدير مصلحته الخاصة. لا أظن أن المواطن التونسي اليوم مستعد لإعطاء أصحاب القرار التربوي صكا على بياض يبيح لهم “تشكيل” المجتمع التونسي بالصفة التي يرتئونها، يشركون في ذلك من يرتضون ويبعدون من لا يرتضون، ويفرضون رؤيتهم للمدرسة الوطنية بدعوى أنهم يقاومون بذلك “الرجعية” و”الظلامية” و”الإرهاب”.
يتوجب علينا اليوم ونحن نولي الشأن التربوي كل الاهتمام أن نفكر في الإصلاح بآليات ومفاهيم ومقاربات جديدة تقطع مع الماضي وتؤسس لمستقبل أفضل. لا يمكننا أن نؤسس لغد أفضل ونحن نصر على استلاب حق الولي والمتعلم والعائلة في اختيار المدرسة التي تريد وذلك بفرض نوع واحد من المدارس قرر حفنة من التونسيين أولا، أنها المدرسة التي تليق بهذه المرحلة وثانيا، أنه يجب إلغاء أي نوع من أنواع المنافسة لها بدعوى ضمان فرص نجاحها. ولا يمكننا أن نؤسس لمرحلة أفضل ونحن نعتبر القطاع الخاص تابعا ذليلا يأتينا صاغرا ويخاف بطشنا ما دمنا كوزارة إشراف نعطي الرخص ونسحبها ولا نفتح المدارس الخاصة ولكننا نغلقها. لعله يتوجب علينا أن نعتبر القطاع الخاص شريكا لا منافسا يجب القضاء عليه وأن نعمل جاهدين على الرفع من مستوى مردودية المدرسة العمومية لا بالقضاء على المنافسة ولكن بالتفكير في أسباب ترديها والعمل على تفاديها. وإن تفنن البعض في إنكار حق المدارس الخاصة في الوجود فمالهم يغضون النظر عن كل رياض الأطفال الخاصة وعددها يفوق عدد المدارس وكل المحاضن المدرسية وشبكات الدروس الخصوصية؟ ألأنهم يعتبرون التربية تبدأ عندما يدخل التلميذ فصله وتنتهي عندما يخرج منه؟
لو كان تغييب منظمة الأعراف تغييبا لغرف المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية الخاصة فحسب لهان الأمر إذ لا تستقطب هذه المؤسسات إلا نسبة ضئيلة من التلاميذ وإن كانت في ازدياد مستمر. إنَ في تغييب منظمة الأعراف تغييب لشريحة كبيرة من المنتفعين من التربية والتعليم العالي ألا وهي شريحة المشغلين. أم أننا سنغلق كل القطاع الخاص ونكتفي بتشغيل التونسيين في القطاع العام؟. دعني أذكر كل صانعي القرار التربوي، سواء ممن وجدوا أنفسهم في خضمه أو ممن يحاولون جاهدين مصادرته، إن المنتفعين من التربية والتعليم العالي هم المتعلمون والأولياء والمشغلون وكل المجموعة الوطنية ولا ينجح أي مشروع إصلاح تربوي إلا إذا ما شارك هؤلاء مشاركة فعالة عند أخذ القرار وليس على إثره. لن ينخرط المنتفعون في أي مشروع لتغيير الواقع التربوي ولن يُنجحوا أية قرارات تتخذ بشأنه بمجرد أن نملأ بهم قاعة عامة ونحيطهم علما بقرارات ومشاريع التغيير التربوي. إذا ما داس مغتصبي القرار التربوي على طرف منظمة عتيدة مثل منظمة الأعراف فما حال المتعلمين والأولياء الذين لم ينتظموا بعد والذين لم يُسمع لهم صوت لا قبل الثورة ولا بعدها؟ ما حالهم وهم من دأب الجميع وخاصة السياسيون استمداد الشرعية منهم والتظاهر بالدفاع عنهم واتخاذ القرارات المهمة عوضا عنهم؟. أيها المتعلمون، أيها الأولياء، اتحدوا ولا تدعوا أي كان يصادر حقكم في تقرير مصيركم.