← Back to writing
Al-Sabah · 2017

Let Us Protect the Public School

لنحم المدرسة العمومية، المدرسة التي يجب أن تكون

A defence of the public school and the Tunisian child's right to education.

نشر بجريدة الصباح بتاريخ 19 مارس 2017

قل وندر أن نجد من يعارض، على الأقل في العلن، هذا الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية ووجوب النهوض بها حتى لا تنهار ويتلاشى معها حق الطفل التونسي في التعليم. ما انفكت الأصوات المستاءة من سوء خدمات المدرسة العمومية والمنددة برداءة أداءها وتدهوره المتواصل تصدح عاليا وخاصة بعد الثورة. لقد تكوّن لدى كل المنتفعين من العملية التربوية من متعلمين وأولياء ومشغلين ومجموعة وطنية انطباع قوي بأن حال المدرسة لم يعد كما كان وأن ثقتهم في جودة أداءها تخلخلت أو لعلها انعدمت. وفي غياب التدقيق العلمي، الكمي والكيفي، لجودة أداء المدرسة العمومية، انقسمت الآراء والمواقف وبات أمر حماية المدرسة العمومية مطلبا سياسيا ترفعه عدة مجموعات مهنية وغير مهنية في غياب الموقف الرسمي للدولة التونسية الذي يتجنب السياسة التقييمية الرسمية ويفضل الانطباع ورفع “تحديات سهلة” منزوعة النزاع مثل “تحدي” ما اصطلح تسميته بإصلاح البنية التحتية للمدارس.

تلقفت بعض الأطراف هذا الشعار وحاولت التسويق له لغايات أخرى ولأجندات خاصة. يوجد مثلا من سوّق لهذا الشعار، الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية، من يهدف إلى إقصاء المنتفعين من التربية عن الفضاء التربوي، متعللين بوجوب المحافظة عليه من كل دخيل، ومن كل من ليس له مكان أو دور واضح في المدرسة. ويبدو أن هذه الفكرة تستند أساسيا على مبدأ “قدسية” المدرسة وطهارتها ووجوب حمايتها من أي عنصر لا ينتمي لأضلع المثلث الكلاسيكي من متعلمين ومربين وإدرايين. ويوجد كذلك من المربين من استعمل هذا الشعار ليمرر حقه المطلق والحصري في سن السياسات التربوية الجديدة بدعوى أن المربين دون سواهم هم المؤتمنون على المدرسة العمومية وأنهم المعنيون بتردي الأوضاع بداخلها بما أنهم في الخط الأول لا فقط لرصد التغييرات ولكن خاصة لتحمل نتائجها وانعكاساتها. ولعله يتوجب على كل معلم أو أستاذ يعتقد أنه من حقه ولوحده سن السياسات والقرارات المهمة أن يتساءل هل أنه قادر على تحديد كل المتغيرات المتعلقة بالشأن التربوي لأنه موجود في القسم والساحة وقاعة الأساتذة؟ وإن وعى بكل المتغيرات هل هو قادر على استقراءها وتحليلها التحليل الجيد والصحيح؟ وإن تمكن من النجاح من الخطوة الأولى والثانية فهل يستطيع أن يقنع زملاءه بملاحظة ما لاحظ واستنتاج ما استنتج؟ وإن نجح في الأولى والثانية والثالثة فما دليله أن الأولياء والمشغلين والمجموعة الوطنية موافقين على توجهه ومؤيدين له؟

كما تلقفت أطراف أخرى هذا الشعار وحولته إلى مطالب عدة منها غلق المؤسسات التربوية الخاصة حتى لا تجد المدرسة العمومية منافسا لها ويضطر بذلك الأولياء لإرسال أبناءهم للمدارس العمومية فتطور هذه الأخيرة وتزدهر. وكثيرا ما يعتقد المنادون بهذا الشعار أن عدم حماية المدرسة العمومية يؤدي إلى اندثارها بما أنها غير قادرة على المنافسة مع المدارس الخاصة وخاصة الأجنبية منها حجتهم في ذلك ما آل إليه النسيج الصناعي التونسي بعد فتح السوق التونسية للبضائع الأوروبية على إثر توقيع عقد الشراكة بين تونس وأوروبا.

كما التف بعض المتحزبين على هذا الشعار وجعلوا منه ذريعة للتباكي على الماضي المجيد والعصر الذهبي للمدرسة البورقيبية على حسب تسمية بعضهم لها. وقد تعمدت فئة منهم إلى الاتهام الصريح والضمني لحكومات ما بعد الثورة، ويتهمون بالأساس حكومات الترويكا، بالتفريط في الإرث الوطني المتمثل في مكاسب المدرسة العمومية. وإن تعنت هؤلاء التجمعيين، عفوا الدستوريين، في اعتبار ما أنجز في التربية والتعليم العالي على مدى 55 سنة من حكم الجهورية الأولى على أساس أنها إنجازات ليس لها مثيل فليس بوسعهم أن يتمسكوا بالمنوال التربوي للجمهورية الأولى، إن كان هنالك منوالا أصلا، وفرضه الآن كقدوة ومثال ونحن نجابه تحديات داخلية وخارجية تستوجب حلولا مختلفة ومقاربات عصرية.

ولعل القائمة لمستعملي هذا الشعار تطول وتطول ولكل فئة منهم أجنداتها الخاصة وأهدافها المعلنة والمخفية، ولكن بما أن المدرسة العمومية ليست ملكا للعاملين بقدر ما هي ملك كل المنتفعين فأظنه قد حان الوقت لرفع الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية لنعني به شيئا واحدا وهو حماية المدرسة العمومية لا بوضعيتها الحالية ولا بالوضعية التي كانت عليها ولكن بالوضعية التي نود أن نراها فيها. حري بنا جميعا أن نربأ بهذا الشعار من أن تصادره فئة على حساب فئة أخرى ومن أن تستغله أي فئة  في الاستحواذ المطلق على عملية سن السياسات التربوية ولا في حرب التراشق بالتهم والإطاحة بالخصم. دعونا نوحد صفوفنا للنهوض بهذه المدرسة العمومية التي يجب أن تمنح كل طفل تونسي لا الحق في التعليم ولكن الحق في التعليم الجيد.

لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح وهو يرتكز على فكرة أن التربية والتعليم خدمة تقدم لعدد من المتلقين الذين لا يحق لهم إلا أن يشكروا الدولة (وعادة ما يشكرون الرئيس) على جهودها وأن يغضوا الطرف عن كل تقصير أو أخطاء قد يقع فيه صانعي القرار التربوي بمختلف أنواعهم أو منفذوه. لا بمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح ونحن نصر على أن التربية هبة من الدولة الراعية نشكر عليها السيد الرئيس والسيد الوزير والسيد الوالي إلى آخر مسئول في سلسة المقررين (chain of command) لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح ونحن نستند إلى جملة من الآراء والمعتقدات البالية والمهترئة لعل أبرزها أن الشأن التربوي شأن السيد الحاكم والحزب الحاكم الذي يريد أن يبيع كل قرار يستنسخه من الشمال وكأنها أمهات الإنجازات في بورصة الإستبلاه السياسي. إن التربية شأن المنتفعين يموله دافعي الضرائب وتسهر الدولة على حسن تسييره وفق رؤية وأهداف يحددها ويقرها المنتفعون. إما أن نتفق على هذا المبدأ وإما أن نعيش ولسنوات الشعارات الفضفاضة  تلو الشعارات والقرارات المرتجلة تلو القرارات والإصلاحات الخاوية تلو الإصلاحات والخيبات الكبيرة تلو الخيبات.

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →