← Back to writing
2025

Why Does France Oversee Tunisia's Current Higher-Education Reform?

لماذا تشرف فرنسا على البرنامج الحالي لاصلاح التعليم العالي؟

Exposes the unprecedented French oversight of a 2025 Tunisian higher-education reform — and what it means for national sovereignty.

لطالما شهد قطاعُ التعليم العالي في تونس برامجَ إصلاحيةً تنوّعت أهدافُها وأساليبُها وسرديّاتها بتنوّع القائمين عليها واللحظةِ السياسية التي أنتجتها. ورغم ارتفاع وتيرة هذه البرامج الإصلاحية مع اتّساع رقعة القطاع وتنامي مدخلاته وعمليّاته ومخرجاته، فإنّ الجميع ظلّ حريصًا على اعتبار سنّ سياسات التعليم العالي جزءًا أساسيًا من السيادة الوطنية. ولم يسبق لأيٍّ من هذه البرامج الإصلاحية أن أعلن عن إشراك جهةٍ أجنبية فيها، ولا أن وضعت وزارةُ التعليم العالي اسمَ مؤسسةٍ أجنبيةٍ وشعارها إلى جانب اسمها وشعارها. غير أنّنا فوجئنا مؤخرًا بإطلاق الوزارة برنامجًا إصلاحيًا جديدًا تحت مسمّى “تأهيل الإجازات”، تُقدَّم فيه مشاركةُ المعهد الفرنسي بوصفه شريكًا في المشروع. ويُثير هذا المستجدّ تساؤلاتٍ جوهريةً حول ما طرأ حتى تُقدِم سلطةُ الإشراف على تنفيذ إصلاحٍ في التعليم العالي — لطالما طالب به الفاعلون في القطاع والمستفيدون منه — تحت إشرافٍ فرنسي. فمن الجهة التي خوّلت لفرنسا الانخراط في مجالٍ دائمًا ما اعتُبر مجالًا سياديًّا بامتياز؟

من المعلوم أن تونس تستنسخ التجارب الدولية في قطاع التربية والتعليم العالي منذ إحداث المدرسة الحربية بباردو في سنة 1837 وأن دولة الاستقلال قد حرصت على نقل منوال الجامعة الفرنسية برمّته ولكن أن تضع وزارة التعليم العالي برنامجا اصلاحيا 69 سنة بعد الاستقلال تشرف عليه فرنسا فهذا أمر يفوق الخيال.

يأتي اصلاح 2025 بعد 20 سنة من إعلان الرئيس الأسبق بن علي “التمشي مع مسار بولونيا” وشروع نفس الوزارة في تطبيق هذا “القرار الرئاسي” الذي وصفته آنذاك على أنه “أهمّ إصلاح قامت به الدولة التونسيّة في مجال التعليم العالي” والذي انتهى مع الوقت الى تسميته بإصلاح إمد تأكيدا على اعتماد النسخة الفرنسية من مسار بولونيا. فما هي أوجه الشبه والاختلاف بين اصلاح إمد والبرنامج الحالي؟

تلقّى نظام بن علي الدعوة للاصطفاف وراء فرنسا / الاتحاد الأوروبي مع باقي دول المغرب العربي وقرّر استغلال هذه الدعوة سياسيّا فسوّق لها وكأنّها حلقة جديدة من حلقات الشراكة السابقة مع الاتحاد الأوروبي وحقّق بذلك نجاحا سياسيّا منقطع النظير في الداخل والخارج بالرغم أن تونس لم تكن معنيّة بمسار بولونيا ولم توقّعه. نجح هذا النظام في إقناع شريكه المفضّل بأنه قبِل الدعوة وأكّد بذلك على تجديد الاصطفاف ورائه كما نجح في إقناع عموم التونسيّين بأن التعليم العالي بين أيدي أمينة وبأن الإتحاد الأوروبي لم يكن ليقبل بتونس شريكا لو لم يكن راضيا عن مستوى أداءها في هذا القطاع. ولكن كلفة هذا “النجاح” السيّاسي كانت ولا تزال كبيرة على تونس بما أن القائمين على هذا الاصلاح استعملوه لمزيد الضغط على القطاع وإخراس عموم الجامعيين والمستفيدين وحرمانهم من الإدلاء بأصواتهم ومن فرصة المشاركة الحقيقية في الرفع من أداء المنظومة وخاصة من التعلّم من “سياسيات مسافرة” ومن مفاهيم وآليات جديدة وبالذات تلك المتعلّقة بجودة التعليم العالي. سلب النظام السابق عموم الجامعيّين حقّهم في التفكير في صالح جامعاتهم وطلبتهم ووطنهم وجعلهم مجرّد متلقّين لخطاب السّلطة ومنفذّين لأوامر الوزارة وتعليماتها. عاش عموم الجامعيّين وهياكلهم النقابيّة تجربةَ إصلاح منظومة إمد في مناخٍ ملؤه الحيرةُ والقلقُ والامتعاضُ والرفض، ورفعوا أصواتهم مُندّدين بتعنّت الوزارة وتفرّدها بالقرار. ولعلّ أعمدة بعض الصحف التونسية تشهد على المعركة الخطابية التي خاضها الجامعيّون مع السّلطة، خاصة خلال فترة استنان القانون الاطاري للتعليم العالي الصادر في 25 فيفري 2008. لا تزال سرديّة اصلاح إمد ترشح كذبا وتمويها ومغالطات ووعودا لم تتحقّق الى حدّ الساعة.

ما أشبه اليوم بالأمس. لا تزال السلطة التنفيذية المشرفة على القطاع تتعامل بمنطق السّلطة الفوقيّة التي تتخّذ من القرارت والاصلاحات ما يحلو لها ولا تتوقّع من “المنظورين” إلا “تثمينها” وتنفيذها.

يحقّ للعاملين في القطاع وللمستفيدين منه أن يتساءلوا عن الأسباب التي تدفع سلطةَ الإشراف إلى إطلاق برنامجٍ إصلاحيٍّ جديد، في حين لم تُجرِ بعدُ تقييمًا علميًّا لمدى نجاح إصلاح نظام “إمد” أو إخفاقه، رغم مطالبة العديد من التونسيين بعد الثورة بـ”إسقاط نظام إمد”. ولا نقصِد بالتقييم هنا بعضَ النقاشات الخاصة أو الملاحظات الانطباعية، وإنّما الدراسةَ العلمية الرصينة التي تتيح مشاركةً مواطنيةً واسعة. كما يحقّ للتونسيين، أيضًا، أن يتساءلوا عن دور فرنسا في هذا البرنامج الجديد، وعن الأسباب الكامنة وراء حضورها فيه.

تعلن الوزارة أن الهدف من هذا البرنامج هو تأهيل الاجازات وبالتالي يُفترض أن يكون دور فرنسا تقديم الخبرة لتونس لمساعدتها على القيام بذلك. وهنا لا يمكنني إلا أن أتساءل: متى كانت فرنسا المرجع في سياسات التعليم العالي ومتى حصلت على مكانة متميّزة فيه تجعلها قبلة مستعمراتها السابقة ومثالا يحتذى به؟. إن ما اصطلح على تسميته باصلاح إمد في تونس وفي المستعمرات الفرنسية السابقة هو محاولة من الاتحاد الأوروبي لتدويل نموذج نيوليبيرالي للتعليم العالي داخل حدوده وخارجها مستندا أساسا على منوال أنغلوسكسوني بحت. أما من لا يزال يعتقد أن الجامعات الفرنسية مرجعا، فأرجو منه وبكل لطف أن يطّلع على التصنيف الدولي للجامعات ويقف على نجاحات الجامعات الصاعدة ويقارنه بترتيب الجامعات الفرنسية. أسوق فيما يلي بعض النقاط لمحاولة فهم الأسباب الحقيقية وراء وجود فرنسا في برنامج وطني ومصيري لاصلاح التعليم العالي:

إنّ فرنسا ليست مرجعًا في هذا المجال إلا في أعين معجبيها والمؤمنين بتفوّقها، وهم كُثُر في تونس. فإلى متى تواصل هذه الفئة التحكّم في التوجّهات والقرارات التربوية وتُلزمنا باتّباع نموذجٍ بالٍ ومتهاوٍ جرّبناه المرة تلوى الأخرى منذ 1958 وفشل؟ أَلَمْ يَحِنِ الوقتُ للتخلّص من الاستعمارية ومن مصفوفة القوى الكولونيالية ومن ادّعاء التفوّق المعرفي؟.

إنّ ـ”المعارف” التي يروّج لها هذا البرنامج الجديد ليست من إنتاج فرنسا ولا الجامعات الفرنسية؛ فالأبحاث المتعلّقة بقيمة المهارات الحياتية، على سبيل المثال، ليست جديدة ولا فرنسية المنشأ، خصوصًا بعد أن تناولتها المؤسساتُ الدولية وعمّمتها في سرديّاتٍ متعددة ووصفاتٍ جاهزة للاستخدام في مختلف مراحل التعليم، من الأساسي إلى العالي. فإذا كان الأمر كذلك، فلِمَ نحتاج إلى فرنسا لتتوسّط بيننا وبين هذه المعارف؟ ألسنا قادرين على الوصول إليها دون وساطتها؟

إن وجود اسم المعهد الفرنسي كشريك أساسي في البرنامج الحالي لوزارة التعليم العالي إهانة لكل التونسيّين الذين آمنوا فعلا بأن تونس مستقلّة وتحتفل بعيد استقلالها ذات 20 مارس من كل سنة.

أمّا إذا كان الهدفُ المعلن من إشراك المعهد الفرنسي هو نقلَ المعارف، بينما يتمثّل الهدفُ غير المعلن في إلزام جميع الطلبة التونسيين بدراسة اللغة الفرنسية وضمان استمرارية استخدامها وترسيخ هذا الاستعمار اللغوي في تونس، فإنّ المسألة تتجاوز بكثير إطارَ برنامجٍ إصلاحيٍّ يتظاهر بتحسين أداء التعليم العالي ويشرف عليه بعض الهواة.

ولا عاش في تونس من خانها.

روضة بن عثمان

كلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →