عندما نشرت انطباعاتي عن اللغة والعلوم مؤخرا، اختبرت ولأول مرة معنى نشر مقالات رقمية عبر المدونة خلافا لما تعودت عليه من نشر مقالات ورقية على أعمدة الصحف واستقبال تفاعل القراء عبر البريد الإلكتروني. وقد جاءت تفاعلات السادة والسيدات المبحرين ممن قرؤوا المقال عفوية ومتنوعة وبسرعة رهيبة مما جعلني أحس ببعد النشر الرقمي وبلذته وربما بخطورته أيضا. إن للنشر الورقي أبعادا لا نجهلها فقد تدارسها الباحثون لفترة طويلة ويشعر بها القاصي والداني، ولكن للنشر الرقمي أبعاد نكتشفها كلما استعملناها، تتجدد بتجدد التكنولوجيا الحديثة وبتجديد مستعمليها واستنباطهم لطرق أخرى للتواصل والإبداع.
إن المتفحص في الإحصائيات التي تنشر سنويا عن نسب مستعملي الإنترنت عالميا يجد أن المبحرين العرب قد سجلوا نسبا ضعيفة في حدود 3 بالمائة وتنعكس نفس النسب في نسب المدونات العربية من 126 مليون مدونة التي نشرت سنة 2009. (أنظر على سبيل المثال الإحصائيات التي يقدمها موقع بينقدوم على الرابط التالي
ما الذي يعرقل التدوين في العالم العربي؟
قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن المواطن العربي يفتقر إلى الإمكانيات المادية التي تخول له استعمال الانترنت وتدوين ملاحظاته ومشاركة الآخرين آراءه ومواقفه وقد تنقصه الثقافة الرقمية التي تخول له تعلم تقنيات التدوين وخفاياه ومغالبة “الصعاب التقنية” ولكنني أخال أن المشكلة الأصلية مشكلة كتابة. إن الكتابة جهد مضني بغض النظر عن اللغة التي تستعمل للكتابة وتتطلب عملية ولادة دائمة كما قال العديد من الأدباء والمفكرين. ثم زد على ذلك أن الكاتب العربي يواجه قرارات صعبة منها، على سبيل المثال، أن يقرر بأي لغة يكتب: هل يكتب بالعامية؟ أم بالفصحى؟ بالفرنسية أم بالإنجليزية أم بأي لغة أجنبية أخرى؟ ويحتاج، أيضا، أن يحدد لمن يكتب وماذا يقول وبأي طريقة يقول ما يقوله. لو انقلبت المدونات إلى فضاء مختص لنقاش المسائل الرياضية لرأيت الناس يهرولون نحوها لتدارس مصير الكرة التونسية، مثلا، أو لترشيح أحسن لاعب أو هداف. ولكن هذا لن يحصل ولسبب بسيط جدا لأن النقاش الشفوي أسهل وأبسط وأحلى وأقل تكلفة. إذا من سينشأ فضاء للحوار عبر المدونات ولماذا؟