← Back to writing
Mouatinoun · 2011

Our Educational Ills and the World Bank

آفاتنا التربوية والبنك العالمي

On whether the transitional government could — or should — dismantle the LMD system, and the true cost of reform.

جريدة مواطنون 12 أوت 2011

لقد سألتني مجموعة من الطلبة مؤخرا عن إمكانية إلغاء نظام إمد وعما إذا كانت للحكومة المؤقتة الصلاحيات أو الشجاعة لفعل ذلك ووجدتني أقارب بين تكلفة هدم  جسر بعد بناءه وتكلفة “إسقاط” نظام إمد كما يحلو للعض أن ينادي به. لا يستطيع أحد أن ينكر أنه وقعت الكثير من التجاوزات والغلطات في تطبيق نظام وقع الإخلال بفلسفته الأصلية مما جعل مساوئه على أرض الواقع أكثر بكثير من إيجابيته. ولعل أكبر سيئاته على الإطلاق أنه طبق في جملة من الأوامر نزلت من فوق بالرغم عن مسرحية اللجان القطاعية التي تفنن المخلصون في حبك خيوطها وإخراجها. لقد سوق نظام إمد على أنه الحل السحري لكل مشاكل التعليم العالي وخاصة تشغيلية الخريجين. لا يستطيع أحد أن ينكر اليوم أن نظام إمد جاء متسرعا مرتجلا متعجرفا وأنه نزل على الكثير من الأساتذة والطلبة نزول الصاعقة وأنه لم يحل مشكلة تشغيل الخريجين بل بالعكس زاد الطين بلة. يعتقد العديد من العاملين والمنتفعين من التعليم العالي والتربية والتكوين أن نظام إمد فرض علينا فرضا من جهات خارجية وكثيرا ما يشار إلى البنك العالمي تحديدا أنه من فرض نظام إمد. كثيرا ما يشار إلى البنك العالمي على أنه السبب الأصلي في مصائبنا في مجال التربية والتعليم وأنه ومن دون شك وراء كل القرارات الخاطئة التي اتخذت في الميدان وأن للبنك العالمي غايات في نفس يعقوب ليس أقلها من أن ينسف بمحاولاتنا البائسة للتطوير ويضمن تبعيتنا للغرب على مر السنين.

لست من الموالين للغرب ولا من المنبهرين بالحضارة الغربية بالرغم عن معرفتي الدقيقة بها ولكنني كذلك لا أحب أن أعلق أخطائي على عاتق أحد وأمقت نظرية التآمر أشد المقت لأنها تشدنا إلى الوراء ولا تجعلنا نقيم أخطاءنا فنتعلم منها ونعمل على تفاديها في المستقبل.

من المعروف عن البنك العالمي أنه يضغط على البلدان المقترضة لإتباع نصائح الخبراء الذين أوكل لهم البنك مهمة تشخيص مشاكل الفقر أو التربية أو النمو أو البيئة للبلدان الفقيرة والنامية أساسا واقتراح الحلول الملائمة. ومن الطبيعي أن يكون موظفو البنك وخبراءه متحمسين للحلول التي توصلوا إليها والتي أسهموا في استنباطها ومن الطبيعي أن يتحمسوا لكل فرصة ممكنة لأن يجربوا هذه الحلول والنظريات على أرض الواقع, ولكن هل يمكن البنك العالمي أو أي جهة أخرى التدخل السافر في سيادة شعب ما وإجباره على قبول أي اختيار يرفضه؟

من المنطقي أن يحاول البنك العالمي أن يقنع زبائنه بالحلول والخيارات التي تفنن موظفوه وخبراءه في بلورتها ومن الطبيعي أن يقع من لا يعرف ماذا يختار بالضبط في شركها. ومن المنطقي أن يضعف من لا رؤية واضحة له لكل الإغراءات المعلنة والخفية. أما من يعرف كيف يتخذ القرارات النافعة للبلاد بطريقة أساسا علمية لا سياسية فقط ويرتب أولويات بلده على المدى القريب والبعيد فلن تنفع معه لا الضغوط الداخلية ولا الخارجية. كيف لي كمواطنة أن أغفر لكل التونسيين الذين وقفوا أمام البنك العالمي مندهشين أو مأخوذين بحلاوة كلام الخبراء عدم احترامهم للمسؤولية التي أناطها الشعب التونسي بعاتقهم وأحمل هذه المسؤولية للبنك العالمي أو لأي جهة مانحة أو مقرضة؟ إن كل مسئول تونسي يوقع أي قرض تتحمله المجموعة الوطنية وهو يعتقد أن الجهة الأجنبية تعرف أحسن أو أنه يطبق تعليمات سيادته بغض النظر من كان أو يكون سيادته ومن غير أن يضع مسؤولية البلاد والعباد نصب أعينه مسئول عما فعل.

كلما تعالت أصوات العديد من الطلبة والأساتذة والأولياء والمشغلين منادية ب”إسقاط” نظام إمد لأن البنك العالمي، على حسب زعم بعضهم، وهب أموالا طائلة للحكومة التونسية لتجربة نظام إمد كلما وجدت نفسي أقول “يا ليت”. ما أحوجنا للحصول على هبات في التعليم العالي تساعدنا على تنمية القطاع وتعيننا على توفير العديد من الوسائل الضرورية والمفقودة حاليا. ولكننا لم نحصل على “رشوة” لتطبيق نظام “إمد” بل “اخترناه” بمحض إرادتنا. فليعلم كل العاملين والمنتفعين من التعليم العالي أن كل مليم يصرف على هذا القطاع يقتطع من ميزانية الدولة ولذلك يجب أن تحتسب الأخطاء احتسابا عسيرا وألا يسمح لأي كان أن يهدر المال العام على اختيارات خاطئة ومتسرعة تكلف المجموعة الوطنية ما تكلفه.

كثيرا ما أتذكر ما قاله أحد صناع معاهدة السربون التي وقعت سنة 1989 والتي أثمرت نظام إمد من بعد والذي وقف يخطب في المؤتمر العالمي للتعليم العالي في اليونسكو سنة 2009 في الحضور راجيا منهم ألا يقلدوا إمد وأن يستنبطوا نظاما خاصا بهم. وأذكر كذلك وبكل حسرة كيف قبل جل وزراء التعليم العالي الحاضرين هذا الاقتراح والذين يفوق عددهم الستين إلا البعض من الوفد التونسي والمغربي الذين رفضوا هذا الإدعاء وتفننوا في الدفاع عن نظام إمد حتى أن بعضهم انبرى قائلا أن بعض بلدان المغرب العربي قد نجحت في إرساء نظام إمد أكثر من فرنسا ذاتها. لعله من المفيد أن نذكر السادة القراء بأن نظام إمد وإن نقله أغلب التونسيون عن الفرنسيين نظام أصله أمريكي اتبعته بلدان الاتحاد الأوروبي حتى تضمن حق الطالب الأوروبي في أن يدرس في أي مكان في أوروبا بفتح أنظمة التعليم العالي الأوروبية بعضها على البعض بإتباع نظام سداسي والتحسين من مقروئية الشهادات. ولذلك اجتمع عدد ضئيل من وزراء التعليم العالي في السربون سنة 1989 ووقعوا معاهدة السربون تلتها معاهدات أخرى لعل أشهرها مسار بولونيا. وقد سبقت المغرب والجزائر تونس في اعتماد نظام إمد.

لا يليق بنا اليوم ونحن نتنفس نسائم الحرية أن نلقي بمسئولية أي قرار اتخذ في التربية والتعليم العالي على عاتق البنك العالمي أو أي جهة مانحة أو مقرضة أو أية جهة أجنبية. نحن كل التونسيين مسئولين أولا وأخيرا عن كل قرار وإن تختلف مسئولية من نفذ القرار مع مسئولية من اتخذ القرار وكان يستميت في أن يستفرد بالقرار لوحده وألا يشرك العاملين والمنتفعين فيه. ما أحوجنا اليوم أن نضبط وبكل عزم سمات مدرسة الغد وجامعة الغد التي نريد من دون إقصاء ولا تهميش. ما أحوجنا اليوم أن نقيم الوضع الحالي بكل دقة فنأخذ أحسن ما فيه ونعززه ونحافظ عليه ونقوّم ما اعوج ونصلح ما تكسر.

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →