← Back to writing
Mouatinoun · 2011 · Interview

No Political Reform Without Educational Reform

لا إصلاح سياسيا من دون إصلاح تربوي

An interview on reforming the education system and its link to the revolution and sustainable development.

الأستاذة روضة بن عثمان خبيرة جامعية شهيرة في الترية والتعليم وقضايا الجودة. قد أجرت معها مواطنون هذا الحديث حول إصلاح النظام التربوي وعلاقته بالثورة والتنمية الستدامة

الأسئلة:

1.    كيف تقييمين الوضع التربوي في تونس؟

عرفت تونس منذ الاستقلال عدة مراحل “إصلاح” تربوي تخص التعليم الابتدائي، الثانوي أو العالي وكان بعض هذه الإصلاحات مهما وعميقا وبعضها حينيا وسطحيا ... وكأنه يصعب أن يمر على وزارة التربية أو وزارة التعليم العالي وزير لا يريد أن يسجل له “التاريخ” صولات وجولات في مجال الإصلاح التربوي. إن الدارس للشأن التربوي منذ الاستقلال إلى اليوم كثيرا ما يلاحظ أن العديد من القرارات التربوية تُسوّق للمواطن كقرارات سياسية ولنا في بعض الشعارات المرفوعة في عهد بورقيبة أو عهد بن علي خير دليل على ذلك. فقد رُفع شعار “الحق في التعليم” أثناء فترة بناء الدولة وأكده قانون 1958 الذي اصطلح على تسميته بقانون محمود المسعدي. وقد أكدت دولة الاستقلال على مجانية التعليم وديمقراطيته كأحد أهم إنجازاتها وقد تم بالفعل نشر المدارس في جل أنحاء البلاد وتمكنت تونس من تحقيق نسبة تمدرس في التعليم الابتدائي تساوي أو تفوق 90 بالمائة مع نهاية التسعينات من القرن الماضي. أما فترة حكم بن علي فقد اختار السياسيون خطأ شعار “من الحق في التعليم إلى الحق في النجاح” اعتمد فيها النظام السابق إلى رشوة المواطنين بتمكينهم من الالتحاق بالتعليم العالي من دون بذل المجهود الضروري للتعلم وكسب المعارف والمهارات لذلك. واعتقادي أن الحقائق التي ستنشر في المستقبل ستبين إن كانت هذه الخطة لتمكين الطلبة من النجاح وكأنه هبة من الدولة خطة محكمة غايتها تسطيح العملية التعلمية وتفريغها من محتواها والتأكد من أن الطالب لا يرتقي بفكره إلى المستويات العالية من إعمال الفكر ومن التحليل والنقد أم أنها دليل على افتقار الدولة لفلسفة تربوية واضحة المعالم تقرر غايات المجتمع من التربية والتعليم العالي على المستوى القريب والمتوسط والبعيد وتعمل جاهدة على بلوغ هذه الأهداف.

2.    ما الغاية من تسطيح العملية التعليمية وإفراغها من محتواها؟

لا يخفى على أحد أن الشباب القادر على التحليل والتساؤل والنقاش شباب لا تحبذه الأنظمة المتسلطة التي تحاول جاهدة إما إخراسه أو تهميشه أو تجنيده وإن كان في هذا الكثير من التهميش أيضا. لقد اعتمد النظام السابق على تلميع صورته من الخارج ولم يكترث لا للوضع بالداخل ولا للمواطن بل احتقره وسخره لخدمة مصالحه الخاصة. لقد اكتفى النظام السابق بمحاولة زيادة عدد الطلبة بالعليم العالي حتى يمن على المجتمع التونسي بذلك ويضمن أصواتهم (أو صمتهم) وانخراطهم (أو انسحابهم) في مشاريعه على مختلف أنواعها. إن الناظر إلى مختلف البرامج من التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي يرى تأكيدا على الكم بدل الكيف ويرى عجزا للمنظومة في أن تُخرّج أجيالا من الطلبة بالجودة المرجوة للنهوض بالتنمية وضمان الرفاه لهم ولمجتمعهم.

3.    هل يمكن أن تخرج الجامعة التونسية شبابا كلهم دون مستوى الجودة المرجوة؟

طبعا لا. فمن الحيف غبن كل الطاقات الموجودة في الجامعة التونسية وجعلها في خانة الرديء أو دون المتوسط. ولكننا لو نقارن نسبة الطلبة الذين تعلموا بصفة جيدة واكتسبوا المعارف والمهارات التي يفترض بهم اكتسابها عند التخرج بالعدد الجملي للطلبة وبنسبة الصرف على القطاع الذي يخصص له جزء هام من الميزانية فإنه لا يسعنا إلا أن نستنتج أن التعليم العالي يشكو الكثير من الهدر للموارد والطاقات وأننا لو تركنا جانبا منطق المن على الشعب واستعمال القطاع لغايات سياسية ملتوية وقصيرة النظر فإننا لا بد وأن نستنتج أنه يتوجب علينا الآن أن نبادر إلى إبعاد الجامعات عن مطامع السياسيين بكل أنواعهم وأن نعمل على إرساء ثقافة حقيقية للاجتهاد والتميز وأن نرفع شعار الحق في جودة التعليم لا في التعليم فقط أو في النجاح.

4.    هل يندرج هذا المطلب ضمن استقلالية الجامعات؟

لا تعني استقلالية الجامعات الكثير في ظل مناخ سياسي كاتم للحريات. لقد عاشت الجامعة التونسية كالعديد من مثيلاتها حول العالم حقبا كان فيها الحرم الجامعي المتنفس الوحيد للطلبة والأساتذة يناقشون فيه مختلف شؤون البلاد. أعتقد أنه بانفتاح الفضاءات السياسية بمختلف أطيافها وحساسيتها في كل أرجاء البلاد فقد توجب ترك الفضاء الجامعي للشأن الأكاديمي وعلى كل الطلبة والأساتذة الراغبين في ممارسة نشاط سياسي أن ينخرطوا في الأحزاب التي يختارونها. إذا ما صودر الفضاء الجامعي والزمن الجامعي لفائدة النشاط والصراع السياسي فلا يلقى الشأن الأكاديمي إلا الإهمال. إننا بأشد الحاجة إلى قادة أكاديميين مثل حاجتنا أو أكثر إلى قادة سياسيين. ينهض القائد الأكاديمي بالشأن الجامعي ويترك للسياسي الشأن السياسي. من المؤسف أن تبقى الجامعات من أهم مصادر التعبئة السياسية وخاصة بعد الثورة وتغدو قلاعا لأحزاب معينة دون الأخرى.

5.    إذا فكيف نعرّف استقلالية الجامعات؟

أظن أن استعمال مصطلح حوكمة مؤسسات التعليم العالي أدق في هذا المجال. كثيرا ما تعني استقلالية الجامعات استقلاليتها عن مركزية أخذ القرار بينما تعنى الحوكمة ذلك وأكثر. لا يجب أن تعني الاستقلالية تعويض نظام أخذ القرار المتفرد على الصعيد الوطني بنظام أخذ قرار متفرد على الصعيد المؤسساتي حتى وإن صبغ بلون الانتخاب. تعني الحوكمة إرساء نظام أخذ قرار يعتمد على ركيزتين في غاية الأهمية الأولى الشفافية والثانية المساءلة وفي عدم ضمان هاتين الركيزتين فلا تعني استقلالية أخذ القرار شيئا على صعيد النهوض بأداء المؤسسات وضمان تعليم جيد لا لأقلية قليلة بل لأغلبية الطلبة الذين سيكونون عامل تغيير نحو الأفضل لأنفسهم ولعائلاتهم ولكل المجموعة الوطنية. لقد كانت المساءلة ولا تزال من أكثر المفاهيم التي تلفظها الذهنيات وتقصيها عن الساحة الأكاديمية ولكن كذلك في كل المجالات. لا يقبل التونسي أن يُساءل ولا يعرف كيف يساءل.

6.    إذا كيف ترين الإصلاح التربوي في الوقت الراهن؟

أعتقد أن هذه الثورة المباركة أهدت إلى كل أفراد الشعب التونسي وبدون استثناء فرصة ذهبية لكي يصلحوا كل المسارات ومن ضمنها المسار التربوي. وأملي أن تبتعد كل الإصلاحات عن المساومات السياسية وأن يركز الجميع على المصلحة العليا للقطاع كمحرك أولي للتنمية المستدامة. أرى العديد من الأطراف السياسية وغير السياسية يتسابقون لإصلاح الأشياء ويعرفون إصلاحهم على أنه رفع للمظالم. من نافل القول أن إجرام النظام السابق قد طال القطاع وحرم بعض الطلبة والأساتذة حقوقهم ولكنني أخاف أن يقتصر “الإصلاح” على فعل عكس ما هو موجود، وأن يقتصر الإصلاح مرة أخرى على قرارات أحادية منفردة.

7.    كثيرا ما ينقد الجامعيون قرارات الإصلاح الجامعي في العهد البائد على أنها قرارات يمليها البنك العالمي أو صندوق النقد الدولي ويلومون النظام على انصياعه الأعمى لتلبية رغبات وأوامر امبريالية التعليم العالي، فما رأيكم في ذلك؟

أظن أنه يتحتم علينا رفع الالتباس عن شيئين مهمين. أولا، أن الدولة التونسية مولعة بتقليد فرنسا في ميدان التعليم العالي بالذات أمر بين للعيان ولا يستحق حتى عناء النقاش وأظن أن هذا الولع بتقليد نظام التعليم العالي الفرنسي  منتشر بين صفوف لا أصحاب القرار لوحدهم بل الأغلبية الساحقة من الجامعيين. أذكر أن أهم وأول حجة لاعتماد نظام إمد سنة 2005 أنه النظام المستعمل في فرنسا وكان هذا السبب أكثر من كاف لإعطائه تأشيرة الدخول إلى حياتنا الجامعة. وأذكر أن نقابة التعليم العالي لم تعارض مبدأ الانخراط في نظام إمد واستعملت نفس حجة الوزارة الواهية والخاطئة وهي الانصهار في مسار بولونيا رغم أن هذا المسار لم يشملنا البتة ولم توقع عليه الدولة التونسية لأنه مسار أوروبي بحت ولكن من فرط ولع التونسيين بمثالهم الأعلى فرنسا، بالإضافة إلى وعود الفرنسيين التقليدية لضمان تبعية البلدان الفرنكوفونية لها، ترجموا حججهم وأسبابهم وذرائعهم حرفيا وألبسونا إياها. لطالما اقتصرت الأصوات المناهضة لنظام إمد على المطالبة بحق المشاركة السياسية في أخذ القرار مهملين الطابع التقني لهذا النظام. وكانت النتيجة أخطاء مهنية عديدة نتجاهلها أو نحاول إصلاحها بأخطاء أخرى. ثانيا، أن للبنك العالمي أو غيره من المؤسسات العالمية أجنداتها الخاصة بها أمر بديهي ولكن هذه المؤسسات لا تملك القدرة على التدخل في شأننا ولا يمكن أن تجبرنا على شيء لا نقبله. ما يقع عادة أن هذه المؤسسات تمتلك “وصفات” جاهزة تحاول تمريرها كلما وسعها ذلك وعادة ما تجد استعدادا فطريا من بعض الجهات لتقبل “النصح”. كل نظام تعليم عالي لا يمتلك رؤية واضحة تعبر عن الاحتياجات الحقيقية للقطاع ولعلاقته بالتنمية هو في حقيقة الأمر أرضا خصبة لتجربة نظريات البنك العالمي

أو غيره من المؤسسات.

8.    كلمة الختام؟

أهنئ الشعب التونسي بهذه الثورة وأتمنى أن نؤسس لديمقراطية تليق بتطلعات الشعب وخاصة الشباب وأن يمنح كل الشباب فرصا حقيقية للمشاركة في تنمية مستديمة.

Conference Interpreter & Linguist

Book Raoudha for your event

Book Raoudha for your event →