مقال نشر بجريدة الصباح بتاريخ 19 فيفري 2017
ارتفعت عدة أصوات، بعيد الثورة، منادية باستقلالية القرار الوطني فيما يخص التربية والتعليم العالي ومنددة بتدخل أي طرف أجنبي في قراراتنا التربوية الوطنية. ومن الطبيعي أن يلاقي هذا المطلب قبولا حسنا من طرف أغلب العاملين في القطاع ولكن كذلك من طرف أغلب المنتفعين منه ومن كل الوطنين إلا أن هذا المطلب ينبني على مغالطة جوهرية. إن القرارات التربوية الوطنية وإن كانت انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة تعني أساسا أبناء الوطن الواحد إلا أنها تمر بموجات “موضة” دولية وكذلك بضغوطات عالمية تجعل من أخذ القرار في تلك المرحلة بالذات وكأنه أمرا حتميا ولا مفر منه نظرا لفوائده الجمة ولمردوديته الهائلة.
أُحدِثت دراسات السياسات العامة كمبحث أكاديمي في خمسينيات القرن الماضي، وأنشأت لذلك أقسام دراسة السياسات العامة في بعض البلدان الديمقراطية الليبيرالية كحل لتعويض الطريقة الهشة والاعتباطية التي كانت تسن بها السياسات العامة. وأصبح بذلك الباحثون يستعملون الطرق العلمية لقياس السياسات بدل الدخول في متاهات سن السياسات ثم التخلي عنها عند الوقوف على هناتها أو عدم نجاعتها. ولعل هذه الدراسات في غاية الأهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالسياسات التربوية نظرا لطبيعة العملية التربوية التي تتكلف قراراتها الخاطئة وعللها غاليا على المجموعة الوطنية بما أنه يصعب وحتى يستحيل تبين هذه الأخطاء منذ الوهلة الأولى بل وقد يتطلب الأمر جيلا بحاله في كثير من الأحيان.
لا تتوفر هذه الأقسام في كل البلدان ولم تفكر العديد من البلدان حتى في إيجادها وذلك لعدة أسباب ليست بالضرورة قدرتها الاقتصادية ولكنها تتصل أساسا بتصورات أصحاب القرار التربوي وخاصة في البلدان المستهلكة للمعرفة لا المنتجة لها.
إذا ما تفحصنا القرارات التربوية منذ الاستقلال إلى الآن، وجدناها قرارات اتخذت مجملا لتجسيد منوال يقطع أساسا مع الموروث التربوي ويؤسس لمدرسة “عصرية” نسخت نسخا عن المثال الفرنسي وتمادت محاولات تقليد أو استنساخ المنوال الفرنسي لسنوات عديدة على الأقل إلى حدود سن القانون الإطاري للتعليم العالي لسنة 2008. ولم يقع البتة التشكيك في عمليات الاستنساخ ولا حتى التفكير في تقليد منوال آخر أو في ضرورة أو فوائد تقليد نماذج أوروبية أو عالمية أخرى ناهيك عن التفكير في نموذج تونسي للتربية والتعليم. لم تكن تونس البلد العربي ولا البلد الإفريقي الوحيد المستثمر في التربية ولم نأخذ حتى فرصة للتفكير في اختيار النموذج الملائم. حسمت جل الاختيارات مسبقا بالتوجه نحو المنوال الفرنسي. ولم تكن تونس أيضا البلد الوحيد حديث العهد بالاستقلال الذي قلد النموذج التربوي للبلد الذي كان يستعمره.
كثيرا ما نسمع العديد من العاملين في القطاع يرددون إشاعات مفادها أن تونس قد قبضت ثمن الإصلاحات التربوية مسبقا من لدن مؤسسات النقد الدولية وعلى رأسها البنك العالمي لتجربة جملة من الخيارات التربوية على المدرسة التونسية وبذلك فقد رهنت سيادة قرارها التربوي. ومن ثمة يشعر هؤلاء أن من واجبهم لا فقط التنديد بهذه الممارسات اللاوطنية ولكن كذلك التصدي لها.
من المعلوم أن هذه المؤسسات النقدية تقوم بالعديد من الدراسات التربوية وعادة ما تنزع إلى توصيف مشاكل التربية العامة والخاصة بطريقة تجعل القارئ والسامع يرى أنها الوحيدة القادرة على توفير الحل. وقد دأب البنك العالمي بالخصوص على القيام بذلك لا في المجال التربوي فقط ولكن في كل المجالات. كما يتعمد البنك العالمي وكل المؤسسات الدولية، إلى محاولة تعميم الحلول أينما ذهبت وإلى عدم قبول تنوع النماذج واختلافها وهذه هي أجندتها التي ماانفكت تعمل جاهدة لتطبيقها. السؤال الحقيقي هو هل تستطيع هذه المؤسسات أن تفرض أي قرار على بلد يرفضه؟ طبعا، لا. لا تملك هذه المؤسسات المانحة أو المقرضة أن تفرض رأيها على بلد ما بالقوة وإن تحاول جاهدة أن تضغط وبكل الوسائل. ولكنه من السهل علينا جميعا أن نتصور أن البلدان التي تحرص أساسا على تقليد نماذج تربوية قائمة الذات وهي نفسها التي تحرص على استيراد القرارات التربوية من البلدان “المصنعة” للمعرفة لضمان جودتها هي البلدان التي ترضخ وبكل سهولة لرغبات المؤسسات النقدية حتى الرغبات غير المعلنة منها. وهي نفسها البلدان التي تسقط فريسة سهلة للقرارات المحبكة في واشنطن أو باريس.
دعونا نطرح هذه الأسئلة قبل التعنت في اتهام الغرب بالتدخل السافر في القرار الوطني وقبل أن نربع أيدينا عاجزين أمام قوة هذه المؤسسات وجبروتها وقبل أن نسلم بأن القرارات التربوية مفروضة ومدفوعة الثمن وقبل أن نخلد الخلود المريح لنظرية التآمر:
متى قمنا بتقييم خياراتنا التربوية سواء تلك التي استوردناها علنا أو تلك التي طبخناها محليا مستعينين بأفكار أو نماذج صنعت أساسا في الشمال؟ هل كانت هذه التقييمات علمية؟ من قام بالتقييم ولماذا؟
أين هو البحث العلمي التربوي الذي يسبر الواقع كما هو وليس كما نتخيله أو كما نتمناه؟
أين هي القرارات التربوية المستندة إلى البحث التربوي العلمي؟
أين هي كلية التربية الحاضنة الطبيعية للبحث التربوي (أنظر مقالي المنشور بجريدة الصباح في 04 فيفري 2010) ؟
أي دور للتوافق حول الإصلاح التربوي في مرحلة تتحتم فيها المصارحة والمكاشفة عن كل الأخطاء التربوية السابقة؟
سأتوقف عند هذه الأسئلة وإن كانت القائمة أطول بكثير مما ذكرت الآن وكل أملي أن لا تمر هذه الفترة من دون القيام بإصلاحات حقيقية وجوهرية تؤسس لغد أفضل لكل أبناء تونس وبناتها وتضمن حقهم لا في التعليم فقط ولكن في تعليم عالي الجودة. أتوقف هنا وكل أملي أن تتكاتف كل الجهود الوطنية الصادقة قبل أن نصل إلى مرحلة لا يؤم فيها المدرسة العمومية إلا الفقير المحتاج الذي لا يقدر على تكاليف المدارس الخاصة. أتوقف هنا وكلي أمل أن ينخرط كل المنتفعين في الشأن التربوي من تلاميذ وأولياء ومشغلين ومجموعة وطنية وأن يكف الجميع على اعتبارهم “مستهلكين” لخدمات ليس لهم فيها قول أو حول.